الشيخ محمد رشيد رضا

79

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ) قوله ( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ) يقول لتنفر طائفة ولمكث طائفة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فالما كثون مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هم الذين يتفقهون في الدين وينذرون اخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزو لعلهم يحذرون ما نزل من بعدهم من قضاء اللّه في كتابه وحدوده . واخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في المدخل عنه في الآية : يعني ما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وحده - فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة يعني عصبة يعني السرايا فلا يسيرون الا باذنه . فإذا رجعت السرايا وقد نزل قرآن تعلمه القاعدون من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا إن اللّه انزل على نبيكم بعدكم قرآنا وقد تعلمناه فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل اللّه على نبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم بعدهم ، ويبعث سرايا أخر ، فذلك قوله ( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ) يقول يتعلمون ما أنزل اللّه على نبيهم ويعلمونه السرايا إذا رجعت إليهم ( لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) فاما قوله في الرواية الأولى بان هذه الآية نسخت آيات النفير العام فهو قد يوافق إطلاق السلف في النسخ ومنه عندهم تخصيص العام وتقييد المطلق ، ولا يصح هنا النسخ المصطلح عليه في أصول الفقه ، لان موضع النفر الخاص غير موضع النفير العام ، فلا تنافي بين الاحكام . وبهذا يقول جمهور العلماء وأخرج ابن جرير عن الحسن البصري انه جعل الضمير في قوله تعالى ( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ) للطائفة التي تنفر للغزو لا للتي تبقى مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في المدينة وذلك قوله : ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم اللّه من الظهور على المشركين والنصرة وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم . وزعم الطبري ان هذا القول أولى بالصواب ، وأوضح ذلك بأن هذه الطائفة النافرة تتفقه بما تعابن من نصر اللّه أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به فيفقه بذلك من معاينة حقيقة علم أمر الاسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه ( وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ ) فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس اللّه مثل الذي نزل بمن شاهدوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك ( إِذا ) هم ( رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ) من غزوهم ( لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) يقول لعل قومهم إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك يحذرون فيؤمنون باللّه ورسوله حذرا ان ينزل بهم ما نزل